الغزالي
45
إحياء علوم الدين
توزنوا . وإنما حسابه لنفسه أن يتوب عن كل معصية قبل الموت توبة نصوحا ، ويتدارك ما فرط من تقصيره في فرائض الله تعالى ، ويرد المظالم حبة بعد حبة ، ويستحلّ كل من تعرض له بلسانه ، ويده وسوء ظنه بقلبه ، ويطيب قلوبهم ، حتى يموت ولم يبق عليه مظلمة ولا فريضة ، فهذا يدخل الجنة بغير حساب وإن مات قبل رد المظالم أحاط به خصماؤه ، فهذا يأخذ بيده ، وهذا يقبض على ناصيته ، وهذا يتعلق بلببه . هذا يقول ظلمتني ، وهذا يقول شتمتني ، وهذا يقول استهزأت بي ، وهذا يقول ذكرتني في الغيبة بما يسوءنى ، وهذا يقول جاورتنى فأسأت جواري ، وهذا يقول عاملتنى فغششتنى ، وهذا يقول بايعتني فغبنتنى وأخفيت عنى عيب سلعتك ، وهذا يقول كذبت في سعر متاعك ، وهذا يقول رأيتني محتاجا وكنت غنيا فما أطعمتنى ، وهذا يقول وجدتني مظلوما وكنت قادرا على دفع الظلم عنى فداهنت الظالم وما راعيتنى ، فبينا أنت كذلك وقد أنشب الخصماء فيك مخالبهم ، وأحكموا في تلابيبك أيديهم ، وأنت مبهوت متحير من كثرتهم ، حتى لم يبق في عمرك أحد عاملته على درهم ، أو جالسته في مجلس ، إلا وقد استحق عليك مظلمة بغيبة ، أو خيانة ، أو نظر بعين استحقار ، وقد ضعفت عن مقاومتهم ، ومددت عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك لعله يخلصك من أيديهم ، إذ قرع سمعك نداء الجبار جل جلاله * ( الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ ) * « 1 » فعند ذلك ينخلع قلبك من الهيبة ، وتوقن نفسك بالبوار ، وتتذكر ما أنذرك الله تعالى على لسان رسوله حيث قال * ( ولا تَحْسَبَنَّ الله غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيه ِ الأَبْصارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ وأَنْذِرِ النَّاسَ ) * « 2 » فما أشد فرحك اليوم بتمضمضك بأعراض الناس ، وتناولك أموالهم ، وما أشد حسراتك في ذلك اليوم إذا وقف ربك على بساط العدل ، وشوفهت بخطاب السياسة ، وأنت مفلس فقير ، عاجز مهين ، لا تقدر على أن ترد حقا ،
--> « 1 » غافر : 17 « 2 » إبراهيم : 42 ، 43 ، 44